سيد قطب
3613
في ظلال القرآن
كما ورد مشهد للكافرين في هذه النار . واختتمت السورة بالحديث عن امرأة نوح وامرأة لوط كمثل للكفر في بيت مؤمن . وعن امرأة فرعون كمثل للإيمان في بيت كافر ، وكذلك عن مريم ابنة عمران التي تطهرت فتلقت النفخة من روح اللّه وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين . . « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ، تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . « وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ، فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ : مَنْ أَنْبَأَكَ هذا ؟ قالَ : نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ . « إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ، وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ . عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً » . . وردت في سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة منها ما رواه البخاري عند هذه الآية قال : حدثنا إبراهيم ابن موسى ، أخبرنا هشام بن يوسف ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن عائشة ، قالت : كان النبي - صلى اللّه عليه وسلم - يشرب عسلا عند زينب بنت جحش ، ويمكث عندها . فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له : أكلت مغافير « 1 » . إني أجد منك ريح مغافير . قال : « لا . ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود له . وقد حلفت . لا تخبري بذلك أحدا » . . فهذا هو ما حرمه على نفسه وهو حلال له : « لم تحرم ما أحل اللّه لك ؟ » . ويبدو أن التي حدثها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - هذا الحديث وأمرها بستره قالت لزميلتها المتآمرة معها . فأطلع اللّه رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - على الأمر . فعاد عليها في هذا وذكر لها بعض ما دار بينها وبين زميلتها دون استقصاء لجميعه . تمشيا مع أدبه الكريم . فقد لمس الموضوع لمسا مختصرا لتعرف أنه يعرف وكفى . فدهشت هي وسألته : « من أنبأك هذا ؟ » . . ولعله دار في خلدها أن الأخرى هي التي نبأته ! ولكنه أجابها : « نبأني العليم الخبير » . . فالخبر من المصدر الذي يعلمه كله . ومضمون هذا أن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - يعلم كل ما دار ، لا الطرف الذي حدثها به وحده ! وقد كان من جراء هذا الحادث ، وما كشف عنه من تآمر ومكايدات في بيت الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن غضب . فآلى من نسائه لا يقربهن شهرا ، وهم بتطليقهن - على ما تسامع المسلمون - ثم نزلت هذه الآيات . وقد هدأ غضبه - صلى اللّه عليه وسلم - فعاد إلى نسائه بعد تفصيل سنذكره بعد عرض رواية أخرى للحادث . وهذه الرواية الأخرى أخرجها النسائي من حديث أنس ، أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - كان له أمة يطؤها ، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها . فأنزل اللّه عزّ وجل : « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ؛ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ » . . . وفي رواية لابن جرير ولابن إسحاق أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وطئ مارية أم ولده إبراهيم في بيت حفصة . فغضبت وعدتها إهانة لها . فوعدها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بتحريم مارية وحلف بهذا .
--> ( 1 ) المغافير : صمغ حلو الطعم كريه الرائحة .